محمد جمال الدين القاسمي

368

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فاعله ، قال تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] ، يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيّهم تسعى . وقد يستعمل مقيدا : فيما يمدح ويحمد ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعمرو بن أهتم : « إن من البيان لسحرا » « 1 » ، لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ، وبليغ عبارته . وبالجملة ، فالسحر المطلق إنما هو تخييل بشعوذة صارفة للأبصار ، أو تمتمة مزخرفة عائقة للأسماع ، فلا يغير حقائق الأشياء ، ولا ينقل الصور . وقوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال الراغب : الإذن قد يقال في الإعلام بالرخصة ، ويقال للعلم ، ومنه آذنته بكذا ، ويقال للأمر الحتم . وينبغي أن يعلم أن الإذن في الشيء من الله تعالى ضربان : أحدهما : الإذن لقاصد الفعل في مباشرته . نحو قولك : أذن الله لك أن تصل الرحم . والثاني : الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله ، والترياق في تخليصه من أذيته . فإذن الله تعالى وقوع التسخير وتأثيره من القبيل الثاني ، وذلك هو المشار إليه بالقضاء ، وعلى هذا يقال : « الأشياء كلها بإذن الله وقضائه » ولا يقال : الأشياء كلها بأمره ورضاه وقوله تعالى : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ إرشاد إلى أن ليس في تعلم السحر إلا المضرة ، لما فيه من التلبيس والتمويه ، وإيهام الباطل حقا ، والتوصل به إلى المفاسد والشرور . وقوله سبحانه وَلا يَنْفَعُهُمْ صرح به إيذانا بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر ، بل هو شر بحت ، وضرر محض . وقوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمُوا أي اليهود الذي حكيت ضلالاتهم . وقوله لَمَنِ اشْتَراهُ أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ، والحق الذي أنزله . وقوله ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي نصيب ، لإقباله على التمويه والكذب ، واستعمال ذلك في اكتساب حطام الدنيا وتمتعاتها . وفيه إشارة إلى أن اختيارهم للسحر ، ليس من جهلهم بضرره ، بل أتوا ما أتوا عن علم بعاقبته السوأى . وقوله تعالى : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي ما باعوا به حظهم الأخرويّ ، حتى كأنهم أتلفوا أنفسهم ، وإنما نفى عنهم العلم بقوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ مع إثباته لهم على سبيل التوكيد القسميّ بقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا - لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم . فجعلهم غير عالمين ، لعدم عملهم بموجب علمهم . ولما بين سبحانه ما عليهم فيما ارتكبوا من المضار

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 86 - باب ما جاء في المتشدق في الكلام ، حديث 5007 .